عمّان، الأردن — شرعت الحكومة الأردنية، منذ الأيام الأولى لبدء الغارات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران، في تطبيق سياسة تحوّطية لضمان أمن الغذاء وتعزيز المخزون الاستراتيجي من المواد الأساسية، وعلى رأسها القمح. وبالتوازي، وضعت خطط طوارئ بديلة تحسبًا لأي اضطرابات محتملة قد تؤثر على حركة الملاحة في البحر الأحمر، الشريان الرئيسي لميناء العقبة.
ومع مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع الأزمة الإقليمية، حافظت السلع الأساسية في الأسواق المحلية على استقرار أسعارها ضمن معدلات طبيعية ومتوقعة، ولم تُسجَّل أي مظاهر "تهافت على الأسواق"، واعتمدت السياسة الحكومية على تحقيق "التوازن بين توعية المواطنين وتجنب التهويل" عبر عدة مسارات.
وفي ظل تصاعد التوترات في مياه مضيق هرمز، حافظ ميناء العقبة على معدلات مناولة مرتفعة، وشهدت محطاته رسوّ عشرات البواخر وفق جدول مواعيد وصولها، بما في ذلك بواخر القمح والنفط. وفي الوقت ذاته، أعدّت الحكومة سيناريوهات أكثر تعقيدًا في حال تعطّل حركة الملاحة في البحر الأحمر، عبر خطط احترازية ثانية وثالثة مبنية على توافقات مع مصر وسوريا للاستعانة بموانئهما مثل الإسكندرية ودمياط في مصر، وميناء اللاذقية في سوريا.
وخلال جلسة عقدتها لجنة الاستثمار النيابية برئاسة النائب خالد أبو حسان، قال وزير الصناعة والتجارة الأردني يعرب القضاة إن المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية "مريح وآمن"، مشيرًا إلى توفر 544 ألف طن من القمح في الصوامع المحلية بما يكفي لأكثر من 5 أشهر ونصف، إضافة إلى 356 ألف طن متعاقد عليها قيد النقل، تكفي نحو 4 أشهر إضافية، ما يجعل مجموع المخزون والتعاقدات يكفي لنحو 9 أشهر ونصف، وهو من أعلى مستويات مخزون القمح في المنطقة، بحسبه.
وبيّن أيضًا توفر مادة الشعير بمقدار 368 ألف طن كمخزون استراتيجي، بالإضافة إلى 352 ألف طن متعاقد عليها، تكفي بالمجمل لأكثر من 8 أشهر للاستهلاك المحلي، بينما يبلغ مخزون الأرز 4 أشهر، والسكر 3 أشهر، والزيوت النباتية بمختلف أنواعها بمعدل حوالي 3 أشهر.
وفي الأيام الأولى للأزمة، لم يُخفِ القضاة القلق الرسمي حينها حيال تأثيرات الحرب على البحر الأحمر، وهو الشريان الرئيس لسلاسل التزويد لميناء العقبة. لكن الحكومة الأردنية سارعت إلى وضع "خطط طارئة" لاستدامة الإمدادات، تضمنت توافقات للمراحل الحالية واللاحقة مع مصر وسوريا لتفعيل موانئ بديلة في حال امتناع السفن الرئيسية عن دخول البحر الأحمر.
وبحسب القضاة، فقد تم التوصل مرحليًا مع الجانب السوري إلى اتفاقين؛ الأول يسمح للشاحنات الأردنية بالوصول إلى ميناء اللاذقية عبر الأراضي السورية وتحميل البضائع الأردنية والعودة مباشرة إلى الأردن، والثاني يقضي بالسماح للشاحنات السورية بالتحميل من ميناء العقبة لبضائعها والعودة مباشرة عبر الأراضي الأردنية إلى سوريا، وفق مبدأ المعاملة بالمثل.
وفي خطوة استثنائية أيضًا، أعلنت الحكومة بالتوازي السماح بنقل بضائع حاويات الموانئ من دول الخليج عن طريق الشحن البري إلى الأردن، لأول مرة منذ عام 1978، بهدف إتاحة نقل بضائع التجار والصناعيين والمستوردين المحتجزة في موانئ الخليج، على أن يستمر القرار لمدة شهر مع إمكانية إعادة النظر حسب الحاجة، وفقًا لما أكده القضاة، كما تم استثناء الشحنات من أي رسوم جمركية أو ضرائب إضافية عند الوصول.
وعلى مستوى كلف الشحن، أكد القضاة ارتفاع كلف الشحن التجاري نتيجة عاملين رئيسيين؛ الأول عالمي مرتبط بأسعار الوقود، والثاني مرتبط بتأمينات الطوارئ في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا لمسار الشحن من بحر العرب إلى البحر الأحمر، ما أدى إلى ارتفاع التكلفة من حوالي 2000 دولار إلى نحو 6000 دولار للحاوية (40 قدمًا)، وفي بعض الموانئ وصلت إلى 10-12 ألف دولار، فيما ارتفعت كلفة الشاحنات المبردة بشكل أكبر.
ورأى الوزير، بأن توقف العمليات العسكرية في المنطقة، "سيتيح" عودة الوضع إلى ما كان عليه "أسرع" مما شهدته أزمة كورونا.
وفيما يتعلق بنشاط ميناء العقبة، لم تتوقف حركة التزويد منذ الأسبوع الأول للأزمة؛ إذ رست 24 باخرة خلال الفترة من 1 إلى 15 مارس/آذار، وجرى تفريغ ما يعادل 32 ألف حاوية (20 قدمًا). ومن المتوقع وصول 11 باخرة أخرى تحمل نحو 17 ألفًا و600 حاوية خلال الأيام المقبلة. وفي السياق ذاته، استقبلت محطات الميناء الصناعي 15 حاوية، وميناء الفوسفات 4 حاويات، فيما استقبل قطاع النفط 5 بواخر، وقطاع النفط المسال 4 حاويات، في حين استقبلت محطة الركاب 56 سفينة.
أما بواخر القمح، فشهد ميناء العقبة وصول 3 بواخر، تم تفريغ حمولة 60 ألف طن من القمح في 8 مارس/آذار، ولا تزال حمولة باخرتين وصلتا في 12 و16 من الشهر نفسه، بحمولة مماثلة لكل منهما، قيد الفحص، فيما أكد القضاة أن الحديث عن أي مخزون استراتيجي لأي دولة وحده لا يكفي، بل يجب أن تبقى سلاسل التزويد "فاعلة ومستمرّة".
في نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2024، كانت الحكومة الأردنية قد اتخذت قرارًا بمنع تصدير السلع الغذائية الأساسية إلا بموافقة وزير الصناعة والتجارة، وذلك في إطار السياسة التحوطية التي ترافقت مع تداعيات الحرب على غزة وتطوّر الأوضاع في سوريا التي أدت إلى سقوط النظام السوري السابق. إذ أشار القضاة إلى أن القرار اتُّخذ في حينه على خلفية نشوء "حملات تبرع غير منظمة في البلاد"، إلى جانب ارتفاع الطلب المفاجئ على المواد الغذائية الأساسية في سوريا، معتبرًا أن ذلك القرار كان أحد أبرز القرارات التي أوصلت المملكة إلى الأول من مارس/آذار بشكل آمن من حيث المخزون الاستراتيجي.
ولم تُسجَّل ارتفاعات حقيقية على أسعار السلع الغذائية الأساسية في البلاد، بحسب حديث مسؤولين، كما لم تُسجَّل حالات احتكار منظمة أو امتناع عن البيع، وسط تبني دعوات نيابية متكررة بضرورة ترشيد استهلاك المواطنين كاستراتيجية تحوّطية.
وشكّلت الحكومة، بالتعاون مع غرفتي التجارة والصناعة، خلية "أزمة" لمتابعة تطورات الوضع الإقليمي ومواجهة تحديات "استمرار أمد الحرب"، وقال العضو في مجلس الأعيان ورئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق إن هذه الأزمة قد تُعدّ "الأصعب" منذ حدوث أزمة مضيق باب المندب قبل نحو عامين.
وقال الحاج توفيق: "بكل فخر، الأردن يعد من أفضل دول المنطقة من حيث المخزون الاستراتيجي. الأزمة موجودة في كل المنطقة، لكن هناك حسن إدارة. في خلية المتابعة نصدر منذ اليوم الأول تقارير يومية ونراقب الأوضاع. أسعار بعض السلع ارتفعت قبل أشهر بسبب أزمة أوكرانيا وليس بسبب هذه الحرب، كما أن مبدأ العرض والطلب قد يرفع بعض الأسعار، ولكن ليس هناك أية حالات احتكار".
وكشف الحاج توفيق عن فرض بعض خطوط الملاحة رسومًا مفاجئة على شحنات كانت قد وصلت المياه الأردنية بالتزامن مع أول أيام الحرب، وأضاف: "هناك بعض خطوط الملاحة استغلت الظرف القائم، وفرضت رسوم حرب على بعض الحاويات المشحونة التي كانت قد دخلت المياه الأردنية بالتزامن مع أول يوم في الحرب، وقمنا بدفعها. بعض الخطوط لم ترفع، لكن من المتوقع أن يلجأ الجميع للرفع".
لكن الحاج توفيق أشار أيضًا إلى أن الأسواق المحلية حتى الآن لم "تشهد أية حالة تهافت على الأسواق"، رغم محاولة صفحات خارجية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إثارة مخاوف الشارع، قائلًا إن "الرسائل الصادرة عن الجيش الأردني والجهات الأمنية والقطاع الخاص كانت محل ثقة".
ولفت الحاج توفيق إلى أن المملكة استوردت العام الماضي نحو 3 ملايين طن من المواد الغذائية استعدادًا لشهر رمضان، ما عزز المخزون الاستراتيجي أيضًا.
وبحسب وزارة الصناعة والتجارية، فإن 3 شركات ملاحة عالمية قررت عدم دخول البحر الأحمر مؤقتًا، لكنها التزمت بتسليم حمولتها عبر ميناء العقبة من خلال سفن بديلة تم التعاقد معها للشحن عبر موانئ مصرية وموانئ أوروبية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى استمرار حركة الشحن من ميناء جدة إلى العقبة.
وفي السياق، قال رئيس النقابة اللوجستية في الأردن نبيل الخطيب، إن حركة الشحن البحري بقيت ضمن معدلاتها الطبيعية، مؤكدًا استمرارية الإمداد وسلاسل التزويد رغم التوتر الإقليمي، وأن البواخر التي كانت مجدولة لشهر آذار جميعها، بمختلف أنواعها المحملة بالحاويات والفوسفات والأعلاف وغيرها، لم يُلغَ أي منها.
وبيّن الخطيب أن حجم المناولة في ميناء العقبة، الذي سُجّل خلال الأسبوعين الماضيين مقارنة بالأشهر السابقة، هو "رقم قياسي"، وأضاف: "نتحدث عن 32 ألف حاوية متكافئة خلال 15 يومًا، وفي الأشهر العادية لا نصل إلى 40 – 50 ألف حاوية متكافئة"، متوقعًا تسجيل زيادة حتى نهاية آذار لا تقل عن 25% عن الشهر الماضي من حيث استيراد الحاويات.
وأضاف الخطيب: "كثير من البضائع المورّدة إلى دول الخليج قد تلجأ إلى استخدام ميناء العقبة لتفرّغ بضائعها، ثم يتم نقلها من العقبة إلى دول الخليج والعراق وسوريا. سوريا طبعًا لأن بضائعها تأتي من دول جنوب شرق آسيا والشرق الأقصى، وستمُر عبر باب المندب.، بضائعنا القادمة من أوروبا وأمريكا قد تستعمل الموانئ السورية لاحقًا. لكن حتى الآن، لا توجد أي إشكالية في حركة البواخر القادمة من البحر المتوسط، وإن كانت بكلف شحن أعلى بسبب الحرب".
وكالة قيثارة للانباء الدولية وكالة اخبارية اعلامية دولية