مهنة نادرة.. أربيلي يدمج الذهب والخط العربي بقطع فريدة (صور)
أرض العراق في يومها العالمي.. جفاف ونزوح جراء التغير المناخي
30 نائباً في كتلة السوداني يهددون بالانسحاب إذا رُشح العوادي لرئاسة الحكومة
بدر اسماعيل شيروكي/ بين أروقة الدستور العراقي لعام 2005 وهواجس الشارع العراقي اليوم، يقف النظام الفيدرالي كواحد من أكثر المفاهيم جدلا وإثارة للمخاوف؛ فبالنسبة للكثيرين، لم تكن الفيدرالية مجرد مادة قانونية، بل كانت عهدا تاريخيا وضمانة وجودية لمنع عودة "المركز" إلى ذلك الوحش الذي يبتلع التعددية ويخنق الألوان؛ إلا أن القراءة الإستراتيجية لما يحدث اليوم تكشف أننا أمام تحول دراماتيكي؛ إذ ترى بغداد أنها لم تعد بحاجة إلى الدبابات لفرض إرادتها، بل استبدلتها بنظام مبتكر من "المركزية الباردة" التي تستخدم القانون والموازنة كسلاح لتفكيك الروح الاتحادية التي بنيت عليها الدولة.
قد يتفق معنا الكثيرون إن أخطر ما يواجه التجربة العراقية الحالية هو محاولة "كسر كرامة الفيدرالية" عبر استهداف قوت المواطنين؛ فحينما تُرهن الرواتب والمستحقات المالية بشروط الإذعان السياسي، فإن الضغط لا يقع على كاهل حكومة إقليم كوردستان فحسب، بل يمتد ليحدث شرخا عميقا في وجدان المواطن وعلاقته بهويته القومية والوطنية. إنها خطة براغماتية تهدف لإيصال الإنسان إلى قناعة مفادها أن كيانه الدستوري والسياسي بات "عبئا" عليه لا حاميا لكرامته. وحين يوضع "الخبز" و"الحرية" في تضاد، تتحول الفيدرالية في نظر الشارع من حق مقدس إلى "مشكلة مزعجة"، وهذا تماما ما يصبو إليه خصوم النظام الاتحادي.
قد يتبادر للذهن في البصرة أو الموصل أو الأنبار أن الصراع الدائر هو "قضية كوردية" ضيقة، لكن الحقيقة أكثر شمولا؛ فالفيدرالية هي "درعك الأخير" ضد الاستبداد، فالتاريخ العراقي يكاد يثبت أن المركزية المفرطة تؤدي بما يشبه اليقين إلى صناعة الطغيان، والطغيان كما عشناه في العهود الماضية لا يميز بين القوميات بل يسحق الجميع.
ومن المعلوم إن جوهر الفيدرالية هو توزيع القوة لضمان عدم استفراد أي جهة بالسلطة؛ لذا، فإن أي محاولة لإضعاف إقليم كوردستان تحت ذريعة تقوية الدولة نراها في الواقع تمهيدا لولادة "مستبد جديد" في بغداد، لن يسمح غدا لمواطن جنوب الوطن أو غربه بأن يتنفس بحرية، لذلك فإن انكسار النموذج الاتحادي في أربيل هو البداية الفعلية لانهيار التجربة الديمقراطية في عموم البلاد.
وبذات القدر من الصراحة، يمكننا القول انه لا يمكن حماية الفيدرالية بالنصوص الجامدة أو بالاتكاء على أمجاد الماضي فقط؛ فنحن نكاد نجزم بأن إقليم كوردستان اليوم أمام اختبار وجودي يتطلب "ثورة بيضاء" في الإدارة والحوكمة؛ فالفجوة التي حدثت في ثقة المواطن لا يمكن ترميمها إلا بالعدالة والشفافية.
وبما أن المعركة اليوم ليست على العقائد، بل هي معركة "الخدمات والكرامة"؛ فإما أن يقدم الإقليم نموذجا إنسانيا متطورا يجبر المركز على احترامه، أو سيجد نفسه مجبرا على التحول إلى مجرد "محافظة هامشية" تنتظر أوامرها من بغداد، فاقدة لسيادتها الإدارية وخصوصيتها السياسية.
إن العراق الذي يتحدث بلغة واحدة ولون واحد هو جسد بلا روح، إذ لا تستقيم الحياة السياسية إلا بالتنوع والديمقراطية؛ ونحن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي يقود نحو مسارين محتملين، الأول يتجلى في المضي نحو دولة اتحادية حديثة تحول الفيدرالية من "تقاسم للسلطة" إلى "خدمة للمواطن"، والثاني –لا سمح الله- يكمن في إمكانية النكوص نحو مركزية مقيتة تدار فيها الأقدار من غرفة واحدة، مما يعيدنا إلى تاريخ دام من الديكتاتورية.
يبقى السؤال الجوهري معلقا في أفق المستقبل: هل إصلاح النظام الإداري داخل الإقليم كاف لإعادة التوازن، أم أن المعضلة الحقيقية تكمن في "عقلية المركز" التي لا تزال ترفض الشراكة وتؤمن بالهيمنة المطلقة الإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان العراق سيبقى وطنا للجميع، أم ساحة لصراعات لا تنتهي.
–
وكالة قيثارة للانباء الدولية وكالة اخبارية اعلامية دولية