— التوق إلى الخلود طموح أبدي اكتسب، اليوم، ملامح جديدة.
فمن ملحمة "غلغامش" التي تروي أنه في بلاد ما بين النهرين سعى ملك إلى الخلود بعدما فقد صديقًا، إلى انتشار أساطير "ينبوع الشباب" منذ زمن الإسكندر الأكبر وصولًا إلى العصر الذهبي للمستكشفين الإسبان في القرن السادس عشر.. إلى اليوم، حيث يُوظّف مليارديرات التكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والمكمّلات الغذائية والعلاجات الطبية بهدف فكّ شيفرة العيش، إن لم يكن إلى الأبد، فلأطول فترة ممكنة.
يتناول هذا السعي، الهادف حقيقة إلى حياة أطول وأكثر صحة، سلسلة أصلية من ستة أجزاء على بعنوان: "كارا سويشر تريد العيش إلى الأبد".. وتطرح السلسلة تساؤلات حول مدى ما يجب أن يبلغه سعي الإنسان إلى إطالة العمر، وما هو الزيف، وكيف يعيش عامة الناس بصحة أفضل.
وتصل سويشر إلى خلاصة مفادها أنّ كثيرًا من الاستثمارات التي يضخّها "روّاد التكنولوجيا" في مجال طول العمر تُخطئ الهدف.. لكنها تستدرك بأن هناك طرقًا حقيقية وفعّالة تزيد من عمر الإنسان، وكذلك سنواته الصحية، أي أن يعيش أطول مدة ممكنة بأفضل حال، يمكن البدء بها اليوم من خلال إحداث تغييرات تدريجية وثابتة في نمط الحياة.
إليك ما يخطئ فيه أصحاب المليارات بشأن طول العمر.. وما يمكنك البدء في تحسينه اليوم.
قصة كلاسيكية أخرى حول السعي إلى الخلود مستقاة من الأساطير اليونانية.. إذ وقعت إيوس، إلهة الفجر، في حبّ تيثونوس، أمير طروادة، وسعت إلى منحه الحياة الأبدية، إلا أنها ارتكبت خطأ إذ لم تشترط أن يبقى شابًا إلى الأبد.. فعاش إلى الأبد، لكنه واصل التقدّم في السن وتدهورت صحته تدريجيًا.
تطرح هذه القصة سؤالًا محوريًا في نقاش طول العمر، وفق سويشر.. لماذا تريد أن تعيش إلى الأبد وبأي ثمن وماذا ستفعل بالوقت الإضافي
تقول شوان-ماي نغوين، الباحثة في علوم الصحة ببرنامج "مليون محارب قديم" التابع لنظام الرعاية الصحية للمحاربين القدامى في بوسطن، إنها تُخبر مرضاها أنه رغم رغبتهم بإضافة سنوات إلى أعمارهم، فإنها تحثّهم أيضًا على تحقيق أقصى استفادة من اليوم الحالي.
وتابعت: "إذا كنت ستعيش من خمس إلى عشر سنوات إضافية، فما هي الأمور التي تريد القيام بها حاول أن تكون واعيًا وتقصد تحقيق ما تسعى إليه".
ترى سويشر أنّ كثيرًا من الرموز الثقافية الذين يسعون وراء إكسير الشباب يغفلون نقطة أساسية، سواء أحبّوا ذلك أم لا، فإنّهم إسوة بمن سبقهم وكل من سيأتي بعدهم، سيموتون.. وعوض التركيز على زيادة عدد السنوات، قد يكون من الأفضل توجيه الاهتمام نحو العلاقات والمعنى والتأثير على الآخرين.
فعند التفكير في سنواتك المتقدمة في العمر، يجدر التمييز بين طول العمر وعدد سنوات الصحة.. أي عدد السنوات التي تعيشها مقارنة بعدد السنوات التي تعيشها بصحة جيدة. لافتة إلى أن "طول العمر لدينا أطول بكثير من سنوات الصحة.. فكيف يمكننا تقليص الفجوة بينهما".
وبحسب خبرة الدكتور جون باتسيس، اختصاصي طب الشيخوخة والأستاذ المساعد بالطب في جامعة نورث كارولاينا، تشابل هيل، يميل الناس إلى العيش لفترة أطول، لكن ذلك غالبًا ما يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، لافتًا إلى أنّ "العيش لفترة أطول أقل أهمية من العيش بصحة أفضل ومن دون إعاقة".
إذا كنت تحب الساونا والعلاجات بالضوء الأحمر والتمارين الرائجة، فلا بأس بذلك، إذ قد يكون لها بعض الفائدة البسيطة. لكن الكثير ممّا تروّج له صناعة إطالة العمر يقدّم "قطرات في البحر"، في حين يتم التقليل من قيمة الأمور التي يمكن أن تُحدث الأثر الأكبر، وفق سويشر.
تشير سويشر إلى أن التطورات التكنولوجية في المجال الطبي تحمل وعودًا كبيرة لفئات أوسع من الناس، مثل لقاحات mRNA التي يمكن أن تستهدف حالات مثل السكري، أو العلاج الجيني لمرض فقر الدم المنجلي.
وقالت: "هناك أمور مذهلة يمكن أن تعالج فعليًا كثيرًا من الأمراض التي نعاني منها حاليًا، كما حدث في الماضي البعيد عندما تم القضاء على الكوليرا عبر وسائل تكنولوجية في عصرها".
واستخلصت سويشر من تجربتها بالبحث في مجال الصحة وطول العمر درسًا مهمًا، أنه رغم أن الجينات قد تؤثر على خطر الإصابة بالأمراض، فإن نمط الحياة والوقاية قد يلعبان دورًا كبيرًا في تحديد مدة حياة الإنسان وجودتها.
المشكلة تكمن في تسويق كثير من الأجهزة التكنولوجية المصممة لإطالة العمر كحلّ سحري. وتقول سويشر إن الناس يجدون في هذا الأمر جاذبًا، لكن لا شيء يعمل بهذه السرعة أو البساطة أو الكمال.
وتستدرك: هذا لا يعني أن لا شيء فعّال، إلا أنها استخلصت أربعة أعمدة تركز عليها في حياتها من أجل صحة أفضل وعمر أطول، هي:
تدعم البيانات هذا الطرح.. فقد وجدت دراسة وُضعت عام 2023، أنّ النوم بين سبع وتسع ساعات يوميًا ارتبط بتحسّن في نتائج طول العمر بنسبة 18%.
كما أنّ اتباع نظام غذائي نباتي زاد فرص العيش لفترة أطول بنسبة 21%.
وارتبطت أدوات إدارة التوتر اليومية بتحسن إضافي بنسبة 22%.
بينما ارتبطت العلاقات الاجتماعية الإيجابية بتحسّن بنسبة 5%، بحسب نغوين التي كانت المؤلفة الرئيسية للدراسة.
وأظهر إدخال التمارين الرياضية تراجعًا بنسبة 46% في خطر الوفاة لأي سبب.
تشير هذه الأرقام إلى تغييرات قوية ومؤثرة.
لكن الهدف، بحسب نغوين، ليس تحويل الأمر إلى هوس بالكمال في كل من جوانب الحياة، بل إجراء تغييرات ممكنة تدريجيًا، مع إدراك أن أثرها قد لا يكون فوريًا لكنه سيكون كبيرًا على المدى الطويل.
ولفتت سويشر إلى أنها تبنّت بعض هذه الاستراتيجيات.. فالنوم أصبح أكثر صعوبة بالنسبة لها بسبب صغر أطفالها، لكنها تمشي بعد الوجبات، وعادت إلى الجري، وتقوم بتمارين القوة.. كما أصبحت أكثر تواصلًا مع عائلتها ومجتمعها من خلال أنشطة جديدة، وتُقدّر الخضار أكثر في وجباتها (لكنها لا تمانع تناول البرغر إذا اشتهته).
وخلصت إلى أنّ "الأشياء المفيدة حقًا مملة وغير مرئية، وبعد 50 عامًا سيكون لها أثر كبير، لن تراه اليوم إسوة بالادخار، فهو يتراكم بمرور العمر".
وكالة قيثارة للانباء الدولية وكالة اخبارية اعلامية دولية